المرأة..
مواطِنة.. أم باحثة عن المواطَنة..
بقلم: أ/ سلمى اليانڤي
"المواطَنة".. مسألة ما فتئت
تشغل بالي منذ وجدتُ نفسي –كسائر أفراد مجتمعنا- مدفوعة بشكل أو بآخر إلى الغوص في
بحر السّياسة.. وفي إطار بحثي جال بذهني سؤال بدا لي غريبا.. أليس من العيب أن
نتحدّث حتّى اليوم عن مثل هذا المفهوم؟ فعلا، ما دُمنا ننتمي إلى وطن فنحنُ بلا
ريب "مواطنون".. هل يُطرح موضوع كهذا بعد أكثر من نصف قرن من الإستقلال؟
أليس هذا أشبه بالتّساؤل.. "هل أنا مولود حقّا؟" بعد بلوغ الخمسين من
العمر؟ دعونا نقول بأن الأمر ليس بهذه البساطة.. إذ الأجدر أن يتساءل المرء
"هل أنا موجود حقا؟" فالقضية هنا قضية وجود وليس ولادة! وقياسا على ذلك
فالقضية المطروحة ليست قضية مواطَنة فحسب وإنّما قضية "مواطنة فاعلة"..
في هذا الإطار، نجد أنفسنا وجها لوجه أمام
علاقة بين مصطلحين.. "الفرد" و"الدولة".. ومفهوم المواطَنة
يفترض على الأقلّ أن تتعامل الدولة مع كلّ الأفراد في إطار المساواة، وبالتالي
فأيّ تمييز على أيّ أساس يعني ضمنيا خروج المميَّز من دائرة المواطنة.. وأسوق هنا
مثالا بسيطا، فعندما ينصّ الدّستور مثلا على نبذ العنف فلا يجدر به أن يخصّ
بالذّكر فئة معينة كأن يقول "والعنف ضد السّود ممنوع منعا باتا"، فكأننا
هنا نُميّز على أساس اللّون ونُخرج هذه الفئة من إطار المواطنة.. فالأسود كالأبيض
مواطن فلماذا التّأكيد على عدم ممارسة العنف ضده؟
قياسا على هذا المثال، نتطرّق إلى مسألة
التّنصيص على حقوق المرأة في الدّستور ومساواتها أو تكاملها مع الرّجل.. فلو فهمنا
معنى المواطَنة الفاعلة لما أرّقنا هذا الموضوع.. حسبُنا أن نعثر على الإجابة
لسؤال واحد.. هل المرأة مواطن كامل أم لا؟
لو أجبنا بالإثبات، صار من حقّ المرأة
التّمتّع بكامل الحقوق المدنية والسياسية بما فيها التّرشّح لرئاسة الجمهورية، وهو
حقّ يتمتّع به على الأرجح كلّ "مواطن" بما يحمله هذا المصطلح من صبغة
عامّة تشمل الجنسين، أي أننا لن ننتظر من الدّستور أن ينصّ مثلا على أنّ رئاسة
الجمهورية حقّ لكلّ مواطن و"مواطِنة"! ومن هذا المنطلق، لن نكون في حاجة
أيضا إلى التّنصيص على حقوق المرأة بصفة خاصّة في الدّستور، فهي كفرد كامل
المواطَنة لا حاجة لها بإجراءات أو تنصيصات استثنائيّة تحميها..
أمّا إن أجبنا عن سؤالنا بالنّفي فإنّنا
سنعود مئات الخطوات إلى الوراء.. فهل بعد التقدم والوعي والرقي الذي بلغناه، وبعد
مرور أكثر من نصف قرن على صدور مجلّة الأحوال الشخصية نعود للتّساؤل عن مكانة
المرأة في المجتمع وعن موقعها إن كان خلف مقود طائرة أو أمام أواني المطبخ
المتّسخة؟ أمازلنا نشكّك في المواطنة الكاملة للمرأة؟ ولكن لماذا عدنا نتخبّط في
مسائل اعتقدنا من قبلُ أنّها باتت محسومة؟ هل هو تغيّر العقلية؟ أم هي ضريبة
الدّيمقراطيّة؟ كيف عُدنا نفكّر في حماية
قوانين مرّت على نشأتها عشرات السّنين حتّى خلناها دخلت مرحلة الحتميّة؟ أتراها
محاولة لتدارك ما أمكن من بوادر الدّكتاتوريّة؟ أليس الحقّ مطلقا غير قابل
للتّجزئة؟ فكيف نسمح لأنفسنا الآن بالبحث عن وسائل تكفل للمرأة حقوقها والحال أنها
بمواطنتها تتمتّع بكلّ الحقوق دون مَنّ من أحد؟ هل صارت المرأة –أو بالأحرى هل
مازالت- في نظر المتطرّفين كائنا غريبا متميّزا عليه أن يتمتّع بحماية خاصّة؟
أليست في البداية والنهاية إنسانا؟ فردا؟ مواطنا؟
لعلّني بعد كلّ هذا الهذيان أفكّر في طرح
اشكالية أخرى أراها أنجع من كلّ ما كتبتُ في هذا المقال.. هل يكمن تكريس المواطنة
الفاعلة في التنصيص الكتابي على حماية المرأة وحقوقها أم في الإيمان بمواطنتها
إيمانا يجعل من التنصيص الكتابي أمرا ثانويا لا يرتقي لمرتبة الجدال؟
05-8-2012
مقال صادر في جريدة المغرب بتاريخ 10 أوت 2012
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire