jeudi 16 février 2012


زيارة غنيم أو المراوحة بين التّفكير والتّكفير
بقلم: أ/ سلمى اليانڤي

لم أكن أنوي كتابة حرف واحد في هذه المسألة، فزيارة الدّعاة لبلادنا لم تعد بعد 14 جانفي أو لنقل تحديدا بعد 23 أكتوبر أمرا يدعو للاستغراب أو لإسالة الحبر، إلاّ أنّ زيارة الدّاعية وجدي غنيم لم تستطع المرور كسابقاتها مرور الكرام.. والسّؤال الوحيد المطروح هنا هو "لماذا؟" ولعلّ الإجابة عنه تنقسم إلى جزئين..
"لماذا كلّ هذه الزّوبعة؟" هناك من يظنّ أنّ اعتراض بعض أفراد الشّعب التّونسي على هذه الزّيارة لا يعدو أن يكون زوبعة في فنجان ستُلهينا عن المشاغل الحقيقيّة الجديرة باهتمامنا.. أودّ أن أقول لهؤلاء أنّ هذه المسألة الصّغيرة في نظرهم قد تكبر يوما ما إن لم نقف في وجه نموّها ونُعرب اليوم عن سخطنا ورفضنا لها تماما كما نتغاضى عن الذّهاب إلى طبيب الأسنان عند اكتشاف تسوّس في إحدى الأضراس فنضطرّ في ما بعد إلى قلع الضّرس بدل الاكتفاء بعلاجه..
ولسائل أن يسأل هنا "ماهي هذه الظّاهرة الّتي تخشون تفشّيها ولماذا تتحاملون على وجدي غنيم بالذّات؟" وهذا هو الشّقّ الثّاني من الإجابة..
قد يظنّ البعض بأنّ الاعتراض على زيارة هذا الدّاعية نابع من رغبة الحداثيين في مجابهة الإسلام وكلّ ما يمتّ إليه بِصلة، وأقول هنا أنّنا قد تجاوزنا هذه المهاترات خاصّة بعد فوز حزب إسلامي في الانتخابات.. ومشكلة هؤلاء أنّهم ما يزالون غير قادرين على استيعاب فكرة أن يكون الحداثيّ مسلما غيورا على دينه..
وقد يظنّ البعض بأنّ مردّ الاعتراض على زيارة غنيم هو بالأساس الخوف من انتشار الفكر الظّلامي وما استتبعه من بِدع لا تمتّ لديننا الحنيف بصِلة.. هذه الفكرة لا يمكن استبعادها خاصّة بعد أن شاهدنا في أكثر من مناسبة ابتعاد تفكير هذا الدّاعية عن قدرات العقل البشريّ أحيانا وأنا أشير هنا خاصّة إلى مسألة علاقة الشّيطان بتثاؤب الإنسان دون تغطية الفم.. سيردّ عليّ البعض بأنّ هذه الحادثة معزولة ولا يمكن من خلالها الحكم على مكانة هذا الشّيخ في الفكر الإسلامي وهذا صحيح في ذاته.. ولكن ماذا لو أخبرتكم بأنّ هناك من يثق بكلام هذا الشّخص ويصدّقه تصديقا أعمى وكأنّه لا يخطئ؟ هؤلاء يباركون كلّ حرف يقوله ولا يُعملون فيه عقولهم.. فإن كانت مسألة التّثاؤب المضحكة مسألة تافهة فمسألة ختان الإناث مثلا مسألة خطيرة وقد أشرتُ إليها مجرّد إشارة ولا رغبة لي في الخوض في تفاصيلها..
ونأتي الآن للأهمّ بالنّسبة إليّ.. السّبب الرّئيسي الّذي دفعني شخصيّا إلى التّنديد بزيارة هذا الدّاعية وإلى كتابة هذا المقال.. هذا الشّخص وعلاوة عن كونه شيخا ودكتورا وداعية إسلامي، هو في نظري أيضا مشاغب ومُحرّض ومُثير للفتن.. فلو توقّفنا عند مهامّه الأولى فلا يحقّ لأحد الاعتراض على قدومه.. أمّا إن تجاوزناها إلى مهامّه الأخيرة فإنّ زيارته تُصبح ثقيلة ويصير عدم التّرحيب به كضيف أمرا لا مناص منه..
ماذا تنتظرون منّا بالله عليكم حين يقف هذا الرّجل في عرض المسجد صائحا "العلمانيّون واللّيبراليّون كفّار؟" هل أتى في وقت حسّاس كهذا ليقسم الشّعب بعصاه السّحريّة؟ ألا يعلم أنّ بلدنا اليوم هو أشبه بالمريض الّذي يقضي فترة نقاهة والّذي قد تودي بحياته لفحة الهواء البارد؟ فماذا أتانا يفعل؟ ألإلقاء خطب ودروس دينيّة أم لتكفيرنا في عقر دارنا؟ أم أنّه يظنّ نفسه قد وطئ بلدا لا يسكنه إلا الإسلاميون وأنّ من عداهم مواطنون من الدّرجة الثّانية؟
وماذا تنتظرون منّا حين يقف هذا الرّجل صائحا "الإسلام قادم فموتوا بغيظكم" ويصرخ بعدها مهلّلا مكبّرا وتتعالى الأصوات أمامه مُردّدة هتافاته؟ ولا أظنّكم تجهلون مردّ تصّرفه هذا.. كان يهدف بالأساس إلى طمس صوت النّشيد الوطني الّذي أخذ يتعالى خلف أسوار المسجد.. هذا النّشيد الذي يعتبره شيخنا الجليل كفرا، تماما كما يعتبر المسرح والسّينما والرّسم والرّياضة.. فلو كان هذا الدّاعية يؤمن حقّا بأنّ الإسلام دين التّسامح لما كان ردّه في هذا الظّرف بالذّات بهذه الطّريقة.. فلْنسلّم بأنّ الهاتفين بالنّشيد الوطني وقتها جهلة ومجانين وكفّار إن اقتضى الحال، أليست مهمّتك يا أيّها الشّيخ أن تكون قُدوة وأن تتصرّف بتعقّل وهدوء بدل الهيجان والصّولان والجولان؟ ثمّ إنّنا شعب مسلم قبل زيارتك وبعدها، يعشق الفنّ ويحبّ ممارسة الرّياضة ونساؤه أحرار.. يحترم وطنه ويفتخر بنشيده، ودولتنا مدنيّة وتقوم على الدّيمقراطيّة، وأنت تعلم كلّ هذا فلماذا قبلت الدّعوة وحللت ضيفا علينا ما دُمت ترفض مبادئنا وتتهكّم عليها؟
وماذا تنتظرون منّا حين يقف هذا الرّجل صائحا "تونس ستكون إسلاميّة ولا مكان للعلمانيّة"؟ أليس هذا تدخّلا سافرا في شؤوننا وحديثا في المسائل السّياسيّة في أماكن لم تُخصّص لغير العبادة؟ هل كان قادما لإلقاء خطب دينيّة أم للإفتاء في النّظام السّياسي الذي على دولتنا أن تتبنّاه؟ وهل قال هذا من باب النّصح والإرشاد أم من باب شحذ النّفوس وإثارة النّعرات والفتن؟
وماذا تنتظرون منّا حين يقول هذا الدّاعية "الفاضل" عن التّونسيين الذين عارضوا زيارته "لو فيكو راجل ييجي يجادلني"؟ هل أتى هذا الرّجل لشتمنا في بيتنا؟
وقبل أن أختم هذا المقال وددتُ أن أعرّج على نقطة في غاية الأهمية هي الإحتجاج بحرية التعبير.. فقد كنتُ شخصيا أيّام قضيّة عرض شريط "بيرسيبوليس" من المندّدين بحرّية التّعبير اللاّمحدودة.. وقد قلتُ بأنّ المقدّسات أوّلا والنّظام العام ثانيا هما الخطّان اللّذان لا يجب تجاوزهما وأرى اليوم أنّ هذا الرّجل قد تجاوز الحدّ الثاني ومسّ من كرامتنا ولم يحترمنا.. وضيف كهذا لا يستحقّ في نظري عدم التّرحيب به فحسب وإنّما طرده كذلك!!

16-02-2012

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire