السّياسة التّونسيّة بين العواطف والمصالح
بقلم: أ/ سلمى اليانڤي
من المؤكّد أن يتفطّن القارئ منذ الوهلة الأولى إلى التّناقض الوارد في عنوان هذا المقال.. فالسّياسة لا تشمل بأيّ حال من الأحوال الحديث عن عواطف بقدر ما تقترن بالمصالح.. من هذا المنطلق، لا يمكننا الرّبط بين السّياسة والأهواء خاصّة إن تعارضت هذه الأهواء مع الدّواعي المصلحيّة.. لكن لو ألقينا نظرة متفحّصة على تفكير حكومتنا فسنكتشف استثناءات عدّة لهذه القاعدة..
لتوضيح المسألة أكثر يمكننا العودة لتحليل مجموعة من الأحداث وللقارئ أن يربط بينها.. زيارة إسماعيل هنيّة لتونس ورفض محمود عباس في المقابل للدّعوة لحضور ذكرى الثّورة.. وزيارة أمير قطر وآخرها طرد السّفير السّوري وسحب الاعتراف بنظام الأسد.. هل استطعت يا قارئي الكريم الرّبط بين هذه الأحداث؟ هو المزج فعلا بين العواطف والمصالح..
كيف يمكن لنفس الأشخاص أن يصافحوا هنيّة ويهلّلوا ويكبّروا لقدومه ويبشّروا بتحرير الأقصى ومحاربة الصّهاينة اليوم ويستقبلوا في الغد أمير قطر أهمّ عميل لأعدائنا وحامي أكبر لص من لصوصنا؟ ليس هذا فقط.. بل أن يقبلوا مِننه علينا ووعوده بانتشالنا من مستنقع البطالة ويصوّروه المبارك الأوّل لثورتنا والدّاعم الأوّل لديمقراطيّتنا والمساند الأوّل لحرّيتنا.. فإن كان حقّا كذلك لِم لم يُعد إلينا لصّنا والنّقود التي نهبها من جيوبنا؟ ألم تكن ولم تزل محاسبة الفاسدين من أهمّ مطالبنا؟ أم أنّنا بدأنا نتنازل عن كلّ شيء رويدا رويدا؟ ويتجوّل هنيّة في مدن وأرياف بلد الثّورة المباركة ويُقبّل أرضها الطّاهرة ويعتلي منابر جوامعها وتُرفع أعلام فلسطين ويُنادى بأرواح شهداء غزّة وتتعالى الهتافات ويٌقسم الجميع بتحرير الأقصى.. يومان ويمضي الرّكب وينتهي المهرجان.. نوع من التّنويم المغناطيسي لعقول البعض وعواطفهم حتّى تمرّ المشاريع الأخطر.. وبعد أيّام، تتمّ دعوة محمود عبّاس للاحتفال بذكرى الثّورة.. فعلى ذقون من تضحكون يا حكّامنا الأجلاّء إن لم يكن على ذقون المساكين الذين منحوكم أصواتهم ومكّنوكم من هذه المناصب؟ هذه هي سياسة العواطف التي تخدم المصالح!
أمّا ما يحدث اليوم فقد فاق كلّ التّوقّعات.. قطع العلاقات الدّبلوماسيّة مع سوريا! حدث مذهل.. وإن رأته الأغلبيّة -ربّما من منطلق نظرة سطحيّة و"عاطفيّة" للأمور- انتصارا عظيما للدّولة التّونسيّة وعلى رأسها رئيسنا الانتقالي –ولا أقول المؤقّت حفاظا على مشاعر البعض من الخدش- الدّكتور الكبير محمّد المنصف المرزوقي.. ولكن إن تعمّقنا في المسألة فسنرى أنّها إبداع يُحسب لهذه السّياسة الشّعبويّة العاطفيّة الّتي تعزف على أوتار العروبة والإنتصار لقضايا الأمّة.. ولكنّها مهزلة بأتمّ معنى الكلمة على صعيد الدّيبلوماسيّة والعلاقات الخارجيّة.. هذا القرار المتهوّر المتسرّع لم يُراع في أدنى الحالات مقاييس العقلانيّة التي وجب على السّياسي التّحلي بها في مثل هذه الظّروف.. وإلاّ فهل يستطيع أحد الإجابة اليوم عن السّؤال المتعلّق بمصير الجالية التّونسيّة المقيمة في سوريا؟ كيف سنطالب الحكومة السّوريّة بتأمين حياة رعايانا والحال أنّنا على أبواب سحب الإعتراف بالنّظام الحاكم هناك؟ أم أنّ على المجتمع الدّولي اليوم أن يحميهم كما قال وزير خارجيّتنا البارحة مُتفلسفا ومحاولا إيهامنا بأنّ الوضع تحت السّيطرة؟ هكذا تضحكون على ذقون من انتخبكم ومكّنكم من المناصب.. لترتكبوا هذه الحماقات والمصائب!
لا يتبادرنّ إلى ذهنك أيّها القارئ أنّني شخصيّا ضدّ اتّخاذ مثل هذا القرار فالجرائم الّتي ارتُكبت في حقّ الشّعب السّوري الشّقيق أكبر من أن نبخل بمثل هذا الموقف.. ولكنّني أناقش كيفيّة اتّخاذ قرار دون دراسةٍ لما قد ينجرّ عنه من تبعات.. كان بالإمكان مثلا التّنديد بهذه الممارسات تمهيدا لما يمكن اتّخاذه من قرارات تكون قد حظيت على الأقلّ بالوقت الكافي لدراستها.. هذه السّياسة الّتي غلب عليها الطّابع العاطفي تجعلنا نفكّر بطرح أكثر من سؤال لعلّ أهمّها.. لماذا لم يُطرح -قياسا على هذا القرار- أمر إمكانيّة قطع العلاقات مع قطر مثلا أو الولايات المتّحدة الأمريكيّة وهي التي تضع كلّ امكانيّاتها في خدمة الصّهاينة الّذين ارتكبوا مجازر أبشع مائة مرّة من تلك التي يرتكبها بشار اليوم ما دامت حكومتنا الموقّرة تهوى مثل هذه العنتريّات؟ بل لماذا مازلنا نتقاعس في مسألة ادراج بند في الدّستور يُجرّم التّطبيع مع الكيان الصّهيوني؟ أم أنّ قطع العلاقات مع سوريا أهمّ؟ أسئلة تبقى كالعادة مطروحة نظريّا فالإجابات واضحة لمن امتلك براعة التّحليل..
05-02-2012
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire