vendredi 17 juin 2011


خانة الموت
بقلم: أ/ سلمى اليانڤي
من أين نحن قادمون؟ وإلى أين نحن سائرون؟ سؤالان طرقا أبواب فكري وحيّراني.. ليس الماضي بالنّسبة إلينا صفحة تُطوى تاركة المجال لِما بعدها من صفحات كتاب الحياة.. الماضي شجرة عملاقة شيطانيّة استطاعت طرح بذورها قبل أن نتمكّن من اقتلاعها وحرق جذورها..
من أين نحن قادمون؟ هذا هو السّؤال الأوّل الّذي حاولتُ الإجابة عنه.. نحن قادمون من عصر الظّلام والقهر والاستبداد والخيانة.. ولا يعلم الكثيرون –وأنا منهم- الفترة الزّمنيّة الّتي امتدّ فيها هذا العصر.. ربّما هو عهد بن علي.. وربّما انطلق هذا العصر يوم نصّب بورڤيبة نفسه رئيسا مدى الحياة.. وربّما رأى البعض أنّه يُحتسب من وقت انتصاب الحماية الفرنسيّة بتونس سنة 1881.. أي أنّنا لم نستقلّ في نظرهم إلاّ يوم الثّورة.. في عصر الظّلام هذا، رضخ ثلاثة أرباع الشّعب ونطق الرّبع.. هذا الرّبع النّاطق تمّ إخراسه بشتّى الوسائل من سجن وتعذيب وقتل.. ولكن رغم ذلك استطاع الصّمود واتّضح أنّ البقيّة لم يكونوا راضخين بقدر ما كانوا صامتين ومتحمّلين وصابرين، وللصّبر حدود كما يُقال.. ويوما ما.. في الخطّ الفاصل بين الكبت والانفجار انتفض الشّعب! أتُراني أجبتُ بهذا الكلام عن السّؤال الّذي طرحتُه؟ في الحقيقة لا أعلم..
لعلّ السّؤال الثّاني أهمّ ولعلّ الإجابة عنه أصعب.. مغادرتنا لعصر الظّلام لا تعني بداهة أنّنا مقبلون على عصر الأنوار.. اليوم وأنا أنظر لما يجري حولي بعين متفحّصة اكتشفتُ أنّ مستقبلنا يكتنفه ضباب كثيف يحجب الرّؤية تماما كالظّلام.. يوم استلم رئيس مجلس النّوّاب مهامّ رئيس الجمهوريّة المؤقّت أشفقنا من بقاء الحال على ماهو عليه لمدّة أقصاها ستّون يوما.. امتعضنا واقتنعنا.. ومرّ شهران وارتأى أصحاب القرار بقاء الحال على ماهو عليه حتّى موعد انتخاب المجلس التّأسيسي يوم 24 جويلية 2011 أي أن ننتظر أربعة أشهر أخرى.. امتعضنا واقتنعنا.. واقترب حلول الموعد وبدأ التّململ.. و"اقترح" أصحاب القرار التّأجيل مرّة أخرى إلى يوم 16 أكتوبر.. رفضت الحكومة "الاقتراح" وعوّضته بيوم 23 أكتوبر 2011! ومازلنا نمتعض ونقتنع! ولسائل أن يسأل بهذه المناسبة، من هم حقيقةً أصحاب القرار في مثل هذه المسائل المصيريّة؟
من جهة أخرى، يوم غادر مخلوعنا البلاد، ارتأى الوزير الأوّل المؤقّت الأوّل حلّ الحكومة التّجمّعيّة وتكوين غيرها.. وكانت الحكومة المختارة مكوّنة بأغلبيّة تجمّعيّة أيضا.. ثار الشّعب ورضخ الوزير وعدّل التّركيبة.. ولكنّ الشّعب لم يرضخ وثار مرّة أخرى وطالب برحيل هذا الوزير الّذي رأوه متلكّئا في تحقيق أهداف الثّورة.. ورحل الوزير فعلا.. صفّق الشّعب وزغرد للانتصار.. وبعد سويعات، تمّ تنصيب الوزير الأوّل المؤقّت الثّاني.. وطُرح السّؤال بعد أيّام.. ما الّذي تغيّر يا ترى؟ هل اتّضحت الرّؤية أخيرا؟ هل خرجنا من عنق الزّجاجة؟ هل ستتمّ محاسبة العصابة وزعيمها؟ هل سيحاكم القنّاصة وقتَلة أرواح الأبرياء؟ هل سيستعيد اقتصاد البلاد نشاطه؟ يوم طُرحت هذه الأسئلة تفجّرت بالتّوازي أسئلة أخرى.. هل تونس إسلاميّة أم علمانيّة؟ هل نقبل النّقاب أم نرفضه؟ هل نحن مع أم ضدّ تعدّد الزّوجات ومنع بيع الخمر وتساوي الميراث بين الجنسين؟ هل كان بورڤيبة مجاهدا أم طاغية؟ هل نحن مع أم ضدّ التّطبيع مع اسرائيل؟ وأسئلة كثيرة غيرها.. وبدأ التّونسيّون ينقسمون.. هذا نهضوي ويفتخر وذاك شيوعي ويفتخر وتلك تقدّميّة وتفتخر وذاك بورڤيبي ويفتخر.. وقليل من قال أنا تونسي وأفتخر! وتساءلتُ هل كنّا منقسمين إلى أحزاب يوم وضعنا اليد في اليد وهتفنا بصوت واحد في وجه الطّاغية "ارحل"؟! أفننقسم اليوم بعد رحيله؟ وهل سيكون اختلافنا نعمة أم نقمة؟ هل الاختلاف في حالنا هذه دافع للتّطوّر أم وجه بشع للدّيمقراطيّة الموعودة؟
مجموعة صغيرة فقط هي الّتي ثبتت على إصرارها في الحصول على إجابة عن الأسئلة الهامّة.. وكان لها الوزير الأوّل المؤقّت الثّاني بالمرصاد.. مسألة القنّاصة مجرّد إشاعة ولا أساس لها من الصّحّة! اقتصاد البلاد في طريقه إلى الانتعاش رغم الإضرابات والإعتصامات وإغلاق المصانع والمعامل والمؤسّسات! أفراد العصابة سيحاسبون بعد عمر طويل أمّا زعيمهم فسيُحاسب على الأرجح غيابيّا.. سيستجمّ كما يحلو له في السّعوديّة وسينتظره حكم الإعدام عند باب مطار تونس قرطاج! بعض الإجابات الأشبه بـ"مصّاصة الحلوى" وهو نعت استخدمه صديق لي ليصف البُعد التّخديري الّذي تحمله خطابات وزيرنا لإخراسنا وإلهائنا بعد تسرّب تصريحات الرّاجحي وفشل سيناريوهات أفلام الإرهاب في ذرّ الرّماد في أعيننا..
أمام كلّ هذه التّشكيكات والضّبابيّات والإشكاليّات، أترانا مازلنا قادرين على الاهتداء إلى المسلك السّويّ؟ أترانا قادرين على إتمام اللّعبة والفوز فيها مع جهلنا بقواعدها؟ أليس من الأجدر أن نعرف على الأقلّ في أيّة خانة نحن واقفون وأيّة مخاطر يُخفي لنا باقي الطّريق؟ أخشى ما أخشاه أن نكون واقفين في المكان القريب من النّهاية ولكن قاب قوسين من الخانة الّتي تعيدنا إلى نقطة البداية!
17-6-2011

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire