حرّيّة المرأة التّونسيّة:
مكسب حقّقناه أم شيء نتمنّاه؟
بقلم: أ/ سلمى اليانڤي
حرّيّة أو تحرير المرأة.. مصطلح عرفناه منذ زمن بعيد.. اعتدنا سماعه وألفناه حتى لا نقول حفظناه ولِم لا مللناه! إنّ أهمّيّة الحديث عن حرّيّة المرأة وحقوقها تبقى أمرا نسبيّا متغيّرا بتغيّر الزّمان والمكان.. فإشكاليّة حقّ المرأة في الحياة كانت مطروحة حينما كانت المولودة تُدفن حيّة.. اليوم، صار هذا الحقّ أمرا مُسلَّما به وصار طرحه مثيرا للاستغراب.. كذلك الشّأن بالنّسبة للمكان، فمسألة حقّ المرأة في العمل أو الانتخاب أو قيادة السّيّارة في تونس مثلا لم تعُد قابلة للنّقاش في حين أنّها ما تزال محلّ جدل في أماكن أخرى من العالم.. بذلك فطموحات نساء اليوم وربّما الغد تختلف كثيرا عمّا كانت تصبو إليه نساء الأمس وكذلك تختلف طموحات التّونسيّات ورؤاهنّ عن طموحات ورؤى بقيّة نساء العالم..
في حديثنا عن مكتسبات المرأة التّونسيّة والامتيازات الّتي باتت تتمتّع بها خاصّة إذا ما رُمنا مقارنتها بنظيرتها في بقيّة دول العالم وتحديدا العالم العربي يمكننا الجزم بأنّ المرحلة الرّاهنة هي من باب أولى مرحلة الحفاظ على هذه المكتسبات على غِرار السّعي نحو تطويرها.. ولعلّ هذا التّطوير يصبّ في خانة الاقتراب أكثر فأكثر من المكانة الّتي يحظى بها الرّجل.. إذا اعتمدنا هذا التّمشّي فالمرأة تطمح منذ انطلاق الفكر التّحريري لها إلى المساواة مع الرّجل.. هذه المساواة الّتي أساءت الكثيرات للأسف فهمها..
منذ أيّام، جلب انتباهي مقال كتبته الدّكتورة ألفة يوسف حول الخصوصيّة الّتي تتمتّع بها المرأة.. هذا الكائن المتميّز بالأنوثة تماما كما يتميّز الرّجل بالرّجولة.. فهل يمكن لسعي المرأة نحو بلوغ المكانة الّتي يتمتّع بها الرّجل أن يُفقدها هذه الخصوصيّة؟
لم يعد من الغريب اليوم أن نرى المرأة تحتلّ عدّة أماكن كانت حكرا على الذّكور.. فهي مثلا تقود الجرّارات في المزارع وتقود سيّارات الأجرة والحافلات بل والطّائرات أيضا ولعلّني لم أختر اعتباطيّا هذه الأمثلة إذ كثيرا ما كانت وظيفة القيادة موكَلة للرّجال! على المستوى المادّي كذلك، بدأت المرأة تحقّق استقلالها فلم يعُد الرّاتب الشّهري للزّوج هو مصدر الرّزق الوحيد للعائلة..
في خضمّ كلّ هذه الأفكار جال ببالي سؤالان محدّدان. أوّلهما، هل بإمكاننا رغم كلّ هذه المكتسبات أن نتحدّث فعلا عن تحرّر المرأة؟ وثانيهما، هل من ضوابط لهذه الحرّيّة إن وُجدت؟
إنّ الإجابة عن السّؤال الأوّل تبقى رهينة تفكير مخاطبك، فإن طرحت السّؤال على حقوقيّ سيجيبك بكلّ تأكيد بأنّ مجلّة الأحوال الشّخصيّة منحت للمرأة التّونسيّة امتيازات يكاد الرّجل يحسدها عليها حتّى أنّها تمتّعت مؤخّرا بمكسب آخر بعد الثّورة ألا وهو مبدأ التّناصف في انتخابات المجلس التّأسيسي.. ولكن إن طرحت نفس السّؤال على أوّل امرأة تعترض سبيلك فستجد الجواب مُختلفا.. إنّ ما تطمح إليه المرأة حقيقة –وعلاوة على ما كفله لها القانون- هو المساواة المعنويّة أي نظرة المجتمع المقدِّرة لمكانتها.. فما الفائدة أن يمنحها القانون أدوات القوّة وتبقى رغم ذلك كائنا ضعيفا في أعين المحيطين بها؟ هنا، يأتي دور المرأة فهي الشّخص الوحيد القادر على إثبات أحقّيته في الاضطلاع بالمسؤوليّة الّتي أرادت تحمّلها بل وحاربت من أجل أن تُكفل لها.. وهي الوحيدة القادرة على فرض احترامها ووجودها جنبا إلى جنب مع الرّجل.. وتقودني هذه الجملة إلى مسألة استرعت انتباهي.. هي باختصار سوء فهم بعض النّسوة لهذه الفكرة.. فالتّحرّر والمساواة مع الرّجل لا تعني بالضّرورة التّشبّه به.. لا يمكن بأيّ حال من الأحوال تلخيص تحرّر المرأة في ارتدائها لملابس جالبة للانتباه أو في حملها لعلبة السّجائر أينما حلّت والتّباهي بذلك بدعوى الحرّيّة والتّحرّر.. لأنّ مبدأ الحرّيّة يصطدم غالبا بمبدإ المسؤوليّة.. ولعلّ المثير للاستغراب هو أن تنبع مثل هذه التّصرّفات عن المدافعات عن حقوق المرأة شخصيّا.. فهل تنتفي كلّ القيود والضّوابط إذا ما تحدّثنا عن هذه الحرّيّة المزعومة؟
الأخلاق والمجتمع.. هذه هي الضّوابط الّتي لا يمكن الحياد عنها بأيّ شكل من الأشكال.. ولكلّ مجتمع بالطّبع نظرته وتقييمه للأخلاق.. من المؤكّد أنّني لو قُلت مثل هذا الكلام في أحد اجتماعات منظّماتنا النّسائيّة لصرخت الحاضرات في وجهي "نحن أحرار ولا يملك أحدٌ الحدّ من حرّيتنا" وربّما نُعتتُ بالتّخلّف والرّجعيّة والالتفاف على مكاسب المرأة بعد الثّورة وهلُمّ جرّا.. إزاء كلّ هذا يمكنني أن أجيب بكلّ بساطة بألاّ أحد يملك الرّجوع إلى الوراء ولا أظنّ الدّولة التّونسيّة ستضع أعوان أمن لمراقبة تصرّفات النّساء أو ملا بسهنّ ولكنّها ستعوّل بذلك على رقيّ تفكيرهنّ ونضجهنّ، فالنّساء اللاّتي كنّ واعيات بحقوقهنّ وطالبن بها واستمتْن في الدّفاع عنها لسْن إلاّ نساءً فاضلات يتشرّف المجتمع بهنّ وبأفكارهنّ وتحضّرهنّ وتحمّلهنّ للمسؤوليّة.. ولكن ما ألاحظه اليوم للأسف هو أنّ جلّ النّساء المدافعات عن حقوق المرأة يختزلن "نضالهنّ" في الخوف من إلغاء قانون منع تعدّد الزّوجات أو سنّ قانون يفرض الحجاب أو النّقاب وكأنّ هذه المسائل لم تُحسم بعد في تونس، هذا الخوف المشروع الّذي أصبح مَرَضيّا.. ولعلّي ألتمس لهنّ العذر خاصّة حينما تعترض طريقي بعض اللاّفتات المُنتسبة لأحد الأحزاب السّياسية الّتي ينصّ فحواها على أن "لا تقدّم للمرأة بدون عفّة وحياء"..!
إنّ فرض المرأة لاحترامها واكتسابها للمساواة المعنويّة مع الرّجل لا يمكن أن يتحقّقا بالأحرى إلاّ بوصولها إلى درجة الوعي المطلوبة الّتي تمكّنها من استيعاب حجم المسؤوليّة المُناطة بعهدتها.. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب.. بل هي مدرسة.. إن صَلُحت صلُح المجتمع ككلّ..
19-8-2011
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire