النّهضة: التّذبذب البنّاء؟
بقلم: أ/ سلمى اليانڤي
تردّدتُ كثيرا قبل الإقدام أخيرا على طرح مجموعة من الأفكار والأسئلة الّتي أعيت تفكيري ولم أجد لها رغم المحاولات العديدة أيّ جواب مُقنع.. وأقول تردّدتُ لأنّ الموضوع يتعلّق بالأساس بأحد الأحزاب المرخَّص لها حديثا وهو حزب أثار جدلا كبيرا رآه الكثيرون عقيما ولم أره كذلك.. هو حركة النّهضة.. عند هذه النّقطة سيتوقّف العديد منكم عن قراءة المقال لسبب من اثنين، أحدهما أنّه مؤمن ومسلِّم بنزاهة هذا الحزب عن أيّ جدال يمكن أن يحوم حوله، وثانيهما أنّ الحديث عن هذا الحزب طال وصار مملاّ سواء من مناصريه أو معارضيه.. ورغم ذلك لم أتراجع عن طرح نظريّتي الّتي لا أهدف من ورائها البتّة إلى تشويهه ولا إلى تنزيهه بل إلى بسط بعض المسائل والتّساؤلات، وللقارئ وحده حقّ إصدار الحكم الّذي يراه ملائما..
في حوار لي مع أحد الأصدقاء حول هذا الموضوع سألتُه "ما الّذي يجعلك تفكّر في انتخاب حزب النّهضة دون غيرها؟" فأجابني ببساطة "لأنّه حزب له مرجعيّة دينيّة وسيحرص على تطبيق شرع الله".. استوقفني جوابه لحظة وتساءلتُ "ما المقصود بتطبيق شرع الله؟" تحريم الخمر والسّماح بتعدّد الزّوجات وربّما أيضا إقامة الحدود وقطع يد السّارق وجَلد الزّاني والزّانية وغيرها من الأحكام الشّرعيّة.. السّؤال المطروح هنا فعلا هو الآتي: هل سيتمكّن هذا الحزب من تطبيق مثل هذه الأحكام وغيرها حقا؟ إذا كان السّيّد راشد الغنّوشي قد أكّد على أنّه لن يتمّ تحريم الخمر كما أكّد على تمسّكه بحقوق المرأة وبِما جاء في مجلّة الأحوال الشّخصيّة فأين نحن إذن من تطبيق شرع الله؟ وما الفرق بين النّهضة وبقيّة الأحزاب إذن؟ عندها أجابني صديقي بأنّ هذه المسائل غير مطروحة لأنّها تتعلّق بالجماعات المتطرّفة دينيّا، أمّا حركة النّهضة فستعمد إلى تطبيق منهج الإسلام المعتدل مثل حزب العدالة والتّنمية في تركيا.. هنا يجدر بنا أن نذكّر بأنّ تركيا بلد كان ولا يزال علمانيّا رغم وجود هذا الحزب الّذي تحدّث عنه صديقي والّذي قال زعيمه عنه بأنّه يتّبع "سياسة واضحة ونشِطة من أجل الوصول إلى الهدف الّذي رسمه أتاتورك"، فكيف للسّيّد الغنّوشي أن يصير "أردوغان تونس" والحال أنّه صرخ يوما بأعلى صوته في أحد الاجتماعات "أعوذ بالله من اللاّئكيّة" وأعقبت هذه الصّيحة هتافات "الله أكبر" تأمينا على موقفه عمّت أرجاء القاعة؟ فما فتئ أن قال لي: "على الأقلّ سيعمل على بناء مجتمع فاضل" ولكن من أين أتى وثوقه بأنّ بقيّة الأحزاب ستشجّع على الرّذيلة أو ستغضّ الطّرف عن الفساد؟ عندها لم يجد صديقي بُدّا من القول "لِم تتحاملين على النّهضة؟" والإجابة بسيطة، ضبابيّة خطاباتها كي لا أقول ازدواجيّتها وهو الوصف الّذي يمقته الكثيرون من أنصارها..
أصحاب هذه الحركة يؤكّدون في بعض الاجتماعات بأنّه لن يقع مثلا تحريم الخمر بدعوى أنّ أمرا كهذا لا يمكن اتيانه نظرا لضرره المحتمل بقطاع السّياحة.. وفي بعض الاجتماعات الأخرى تسمعهم يستشهدون بقول الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».. وكمثال آخر نذكر مسألة تعدّد الزّوجات، فهم من ناحية يؤكّدون على تمسّكهم بما جاءت به مجلّة الأحوال الشّخصيّة، ومن جهة أخرى نجد السّيّد الغنّوشي يستعرض على الملإ ارتفاع نسبة العنوسة والطّلاق وتهرّم السّكان وتناقص عدد الأطفال ولا نعلم ما الّذي يرمي إليه من وراء كلّ هذه التّلميحات والاحصائيّات.. وحينما تسأله عن رأيه مباشرة في القضيّة يجيبك باسما: "المسألة تتجاوز في تونس فكرة تعدّد الزّوجات.. هو الواحد لاقي بش يعيّش مرا حتّى بش يزيد الثّانية؟" وما رأيه لو توفّرت الظّروف المادّيّة الملائمة؟ هل يعني ذلك امكانيّة السّماح للرّجل بالزّواج ثانية وثالثة ورابعة؟
أنا هنا لا أتحدّث عن تضارب في المواقف بين سنين الثّمانينات والسّنة الحالية ولا حتّى عن تضارب في المواقف بين يوميْ 13 و15 جانفي 2011 ولكن عن تضارب يحصل أحيانا بين دقيقة وأخرى في نفس الاجتماع.. هذا التّضارب مفاده الاعتماد على سياسة قولِ ما يُراد سماعه عن طريق الادلاء بتصريحات تحمل أكثر من مائتي تأويل ولكلّ تيّار أن يختار التّأويل الّذي يلائمه..
ومن زاوية أخرى، صرّح أصحاب هذا الحزب بأنّهم رغم المرجعيّة الدّينيّة الّتي يرتكزون عليها إلاّ أنّهم ليسوا بأيّ حال من الأحوال النّاطقين باسم الإسلام وهذا قولهم بأفواههم، فالانضمام لهذه الحركة لن يضيف للإسلام شيئا والخروج عنها لن يضرّه في شيء فالمنخرط في حركة النّهضة هو منخرط في حزب سياسي فحسب، وهنا أستحسن موقفهم هذا إذ يحترمون قول القائل "أنا مسلم والنّهضة لا تمثّلني".. وفي هذا الصّدد أتساءل.. لماذا ارتكز هذا الحزب إذن على مرجعيّة دينيّة في ظلّ المساوئ الّتي قد تطاله من وراء ذلك؟ من ذلك مثلا اتّهامه بالسّلفيّة أو الرّجعيّة وتخوّف البعض من سيره في مسلك إيران أو علاقته بالمنظّمات الإرهابيّة.. وبعيدا عن النّقاش العقيم حول مدى صحّة هذه الإشاعات ففي خضمّ كلّ هذا، لماذا يرتكز هذا الحزب على مرجعيّة دينيّة مع تصريح قادته في أكثر من مناسبة بأنّهم سيسعوْن إلى بناء دولة مدنيّة لا خلافة إسلاميّة ومع الصّعوبة الكبيرة المحيطة بتطبيق التّشريع الإسلامي بحذافيره ومع التّضارب الّذي وقعت فيه تصريحات قادته جرّاء محاولة الجمع والتّوفيق بين أقصى اليمين وأقصى اليسار..
لذلك أقول بأنّ على هذا الحزب أن يتّخذ موقفا محدّدا قد يُحسب له وقد يُحسب عليه حتّى يتمكّن المواطن من بناء قراراته على أسس متينة.. وأن يتخلّى عن فكرة الجلوس على مقعدين في آن واحد، إذ سيأتي الوقت الّذي يجذب فيه كلّ تيّار مقعده ليجد هذا الحزب نفسه جالسا على الأرض..
18-5-2011
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire